فخر الدين الرازي

5

تفسير الرازي

أقول وجهه ظاهر ، لأنه ذكر المغفرة على سبيل التنكير ، والمراد منه المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وذلك هو المغفرة الحاصلة بسبب الاسلام . الثاني : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : هو أداء الفرائض ، ووجهه أن اللفظ مطلق فيجب أن يعم الكل . والثالث : انه الاخلاص وهو قول عثمان بن عفان رضي الله عنه : ووجهه أن المقصود من جميع العبادات الاخلاص ، كما قال : * ( وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) * ( البينة : 5 ) الرابع : قال أبو العالية : هو الهجرة . والخامس : أنه الجهاد وهو قول الضحاك ومحمد بن إسحاق ، قال : لأن من قوله : * ( وإذ غدوت من أهلك ) * ( آل عمران : 121 ) إلى تمام ستين آية نزل في يوم أحد فكان كل هذه الأوامر والنواهي مختصة بما يتعلق بباب الجهاد . السادس : قال سعيد بن جبير : انها التكبيرة الأولى . والسابع : قال عثمان : انها الصلوات الخمس . والثامن : قال عكرمة : إنها جميع الطاعات . لأن اللفظ عام فيتناول الكل . والتاسع : قال الأصم : سارعوا ، أي بادروا إلى التوبة من الربا والذنوب ، والوجه فيه أنه تعالى نهى أولا عن الربا ، ثم قال : * ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ) * فهذا يدل على أن المراد منه المسارعة في ترك ما تقدم النهي عنه ، والأولى ما تقدم من وجوب حمله على أداء الواجبات والتوبة عن جميع المحظورات ، لأن اللفظ عام فلا وجه في تخصيصه ، ثم أنه تعالى بين أنه كما تجب المسارعة إلى المغفرة فكذلك تجب المسارعة إلى الجنة ، وإنما فصل بينهما لأن الغفران معناه إزالة العقاب ، والجنة معناها إيصال الثواب ، فجمع بينهما للأشعار بأنه لا بد للمكلف من تحصيل الأمرين ، فأما وصف الجنة بأن عرضها السماوات : فمعلوم أن ذلك ليس بحقيقة لأن نفس السماوات لا تكون عرضا للجنة ، فالمراد كعرض السماوات والأرض وههنا سؤالات . السؤال الأول : ما معنى أن عرضها مثل عرض السماوات والأرض وفيه وجوه : الأول : أن المراد لو جعلت السماوات والأرضون طبقا طبقا بحيث يكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة ، وهذا غاية في السعة لا يعلمها إلا الله . والثاني : أن الجنة التي يكون عرضها مثل عرض السماوات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الانسان إنما يرغب فيما يصير ملكا ، فلا بد وأن تكون الجنة المملوكة لكل واحد مقدارها هذا . الثالث : قال أبو مسلم : وفيه وجه آخر وهو أن الجنة لو عرضت بالسموات والأرض على سبيل البيع لكانتا ثمنا للجنة ، تقول إذا بعت الشيء بالشيء الآخر : عرضته عليه وعارضته به ، فصار العرض يوضع موضع المساواة بين الشيئين في القدر ، وكذا أيضا معنى القيمة لأنها مأخوذة من مقاومة الشيء بالشيء حتى يكون كل واحد منهما